ساسي سالم الحاج

46

نقد الخطاب الاستشراقي

وبولونيا ، وأنشئ أخيرا في جامعة السوربون كرسي للدراسات الإسلامية العربية ولا يزال من أهم الأقسام في هذه الجامعة العتيدة إلى يومنا هذا . وحذت الدول الأوروبية الأخرى حذو فرنسا في هذا المضمار . وهكذا نجد أن الرعيل الأول من المستشرقين البريطانيين كان دافعه الأول لدراسة العربية واللغات الشرقية دافعا دينيا وهو ترجمة التوراة ، وكان على رأس هؤلاء « بادويل » الذي عين أستاذا للغة العربية بجامعة أكسفورد ويعتبر واضع أسس تدريس العربية في إنجلترا ، وتابعه في هذا المضمار كل من « إدوارد بوكوك » ( 1604 - 1691 ) ، و « سيمون أوكلي » ( 1678 - 1720 ) ، و « جورج سيل » ( 1697 - 1736 ) ، و « بوركهارت » ، و « وليم لين » ( 1801 - 1876 ) وغيرهم كثيرون ، وإن اختلفت أغراض هؤلاء المستشرقين إلّا أن الرعيل الأول كان يهتم بالدراسات العربية والإسلامية لأهداف دينية أهمها التبشير ، وتأتي بعدها الأهداف الثقافية والتجارية والاقتصادية التي اهتم بها المستشرقون المتأخرون « 1 » . أمّا في إيطاليا فإنه نظرا لما لصقلية من تأثير على نقل الحضارة الإسلامية إلى أوروبا باعتبارها من أهم المعابر التاريخية إليها ، فقد اهتمت بهذا الموضوع « بولونيا » ثم نابولي ثم روما ، كما تأسس فيها العديد من مراكز اللغات الشرقية . ومن أبرز دواعي اهتمام إيطاليا بالثقافة العربية منذ القرون الوسطى كان الدافع الديني ، ثم ما لبث هذا الدافع أن تحول هو الآخر إلى دافع تجاري ثم سياسي وخاصة عندما احتلت إيطاليا ليبيا سنة 1911 م . وفي إسبانيا كان الاهتمام بالدراسات الإسلامية متميزا بصورة واضحة لأنها كانت المعبر الأكثر أهمية الذي تسربت منه الثقافة والحضارة الإسلامية إلى أوروبا الغربية . فقام المترجمون بجامعتي قرطبة وطليطلة بنقل الفكر العربي إلى اللاتينية منذ القرن العاشر الميلادي ، وأهمهم على الإطلاق في تلك الحقبة « جيراردو دي كريمونا » الذي تمكن من نقل أكثر من سبعين مؤلّفا في المنطق والفيزياء والفلسفة وسواها وازدهرت الثقافة الإسلامية في الجامعات الإسبانية ، وأنشئ العديد من المعاهد والمراكز التي تهتم بها . وكان الدافع لذلك في بداية الأمر هو الدافع الديني أسوة ببقية البلدان الأوروبية الأخرى إلى أن تحول إلى أغراض أخرى سنشير إليها في حينها . وفي ألمانيا تميز الاستشراق بخصائص تخالف ما هو معهود في البلدان الأوروبية

--> ( 1 ) د . ميشال جحا ، الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا ، المرجع السابق ، ص 30 .